حكاوي

من غير كسوف

بقلم / عمر علي

كان يجب أن تكون هذه النهاية ..
صحيح أن الحياة ليس من عاداتها أن تكون عادلة ..
ولكنها في أحيان كثيرة تفاجئنا بحسبة مظبوطة تغير الكثير من مفاهيمنا ..
******
يقولون دائماً أن الفنانين يعانون من بعض النقص في حياتهم .. وهذا النقص هو ما يفجر كل المواهب بداخلهم .. وهذه المقولة تنطبق في الحقيقة على كثير ممن يمتهنون الفن .. قد يكون النقص جسدي أو نفسي أو إنساني وهذا النقص دائماً ما يكمل بالموهبة .. لست بصدد الحديث عن كثير من الفنانين هنا .. فالأمثلة عديدة ولا حصر لها
ولكني أود الحديث عن فنانة ليست أمام الأضواء ليست مشهورة وليس لها معجبين ..
أود الحديث عن مي أشرف ..
ألا تعرفونها ؟؟
إذن سأحدثكم عنها قليلاً ..
لم يكن ذنبها أنها ولدت كفيفة .. لكنها لم تترك ذلك أن يكون عائقاً أمامها لتصل إلى ما تريد
أحبت الموسيقى منذ صغرها .. وسعت لأن تتعلمها .. ظلت تترقى فيها حتى أصبحت مدرسة موسيقى في مدرسة خاصة .. مات أبيها منذ طفولتها وعاشت طوال حياتها مع أمها وشقيقتها الكبرى حنان .. هم من رعوها حتى كبرت .. لم يشعروها يوماً أنها لديها نقص .. ولم تشتكي حنان من ثقل مي عليها .. بل كانت توفق بين عملها وبين رعايتها لشقيقتها الوحيدة .. وذلك حتى كبرت مي وجاوزت الخمسة وعشرون .. كانت حنان وقتها في بداية الثلاثين وكانت تعيش قصة حب مع أحد زملائها وأجلت الزواج منه حتى تطمئن على مي ..
إلى أنه لم يعد هناك سبب واضح للتأجيل بعد أن كبرت مي وأصبح يمكن أن تعتمد على نفسها في بعض الأشياء .. تزوجت حنان على مضض وتركت البيت ولكنها كانت كل يوم تتصل بمي وتزورها هي وأمها حوالين مرتان في الأسبوع ..
في أيام كثيرة كانت مي تفضل الإستغناء عن العصى الخاصة بالمكفوفين والتي تتيح لها معرفة الأماكن الغير معروفة بالنسبة لها .. كانت لا تحب أن يعرف أحد بالنقص الموجود لديها .. كانت تحب أن تعامل مثلها مثل أي شخص .. لا تريد أن تشعر بأي عطف أو إحسان من أحد .. في يوم لن تنساه مي نزلت إلى الشارع وتعمدت أن تترك العصى في منزلها .. ومشت تتحسس الحائط حتى تخرج من شارع منزلها ..
على الجانب الآخر كان هناك شاب يأتي مسرعاً وهو يحمل أوراق كثيرة .. وكانت مي تسير بخطوات بطيئة إلى حد كبير ..
كان ينظر في الأوراق التي يحملها غير عابئاً بمن يسير بجواره في الشارع .. واصطدم بمي فتبعثرت الأوراق على الأرض .. فزعت مي ولم تجد سوى الإعتذار ..
– أنا آسفة ..
– آسفه ايه وبتاع ايه .. إنتي عميا .. إنزلي لمي الورق ..
نزلت مي على ركبتيها وهي تتحسس الأرض .. لم يلحظ الشاب أنها كفيفة فعلاً .. حتى من حركتها .. لمت مي الأوراق وناولتها له .. وقامت وهي تشعر بكل المهانة الموجودة في العالم
********
من أين لشيماء أن تعرف كل ذلك ؟؟
شيماء الفتاة السكندرية صغيرة الجسد .. ليس ذنبها أيضاً أنها ولدت بمشكلة في السمع .. لا يمكن أن تسمع إلا بواسطة سماعة .. هذه السماعة كانت دائماً مثار سخرية الكثيرين ممن تعرفهم وممن لا تعرفهم أيضاً .. كانت تقول في بالها دائماً “لو كل واحد يخليه في حاله حالنا هيتصلح واللـه” ..
شيماء تعمل بائعة في إحدى محال الملابس القريبة من منزلها .. ولا تعرف أنها تسكن بعيداً على مي بشارعين فقط .. لا تحب شيماء أيضاً إرتداء السماعة إلا داخل عملها .. وطوال سيرها في الشارع عقب العمل أو أثناء ذهابها إلى العمل لا تخرجها من حقيبتها مطلقاً .. هي لا ترى أن ما فيها يعد نقصاً كبيراً .. فهي بيدها أن تتحكم في الضجيج الذي يحيطها في الشارع وتجعله لا يصل إلى مسامعها .. تحب دائماً أن تعيش في عالمها الخاص .. وتحب أكثر أن تتأمل في الوجوه ..
لكن القدر كثيراً ما يرسل لنا ما ليس في حسباننا بالمرة ..
سارت شيماء دون السماعة في هذا اليوم .. خرجت من ناصية شارع بيتها وعرجت إلى جانبي آخر لتشتري زجاجة مياة غازية من إحدى الأكشاك .. كان هناك شاب يشتري علبة سجائر من نفس الكشك لفتت إنتباهه بشدة .. فقرر أن يسير وراءها ..
سار خلفها بضع خطوات وهو يتأمل مؤخرتها وجسدها كله .. وبدأ في إلقاء بعض كلمات الغزل القبيح .. لم ترد شيماء بالطبع .. لأنها لا تسمعه
لأنه خمن سكوتها بأن الكلام أعجبها .. فأعاد كلامه مرة آخرى وقال “ماتيجي البيت قريب” ..
لم ترد شيماء أيضاً .. فتشجع أكثر ولمس جسدها ..
هنا فقط شعرت به ولفت جسدها ناحيته وبعزم ما فيها رفعت كفها ونزلت به على وجهه ..
**********
وصلت مي إلى ميدان الكوربة سيراً على قدميها وهي لازالت مأخوذة من ما قاله الشاب الذي كان يحمل الأوراق .. كانت تعرف أنها اقتربت من الشارع الذي يقع فيها الكلية التي تدرس بها
حاولت عبثاً أن تعبر الشارع أكثر من مرة .. لكن في كل مرة تكون على وشك الإصطدام بسيارة تأتي مسرعة فتعود إلى مكانها مرة آخري .. خافت من يقول لها أحد “إنتي عميا” مرة آخرى .. فأخرجت العصى من حقيبتها وفردتها أمامها وحاولت أن تعبر الشارع مرة آخرى لكن دون جدوى ..
من بعيد كانت شيماء تتابع المشهد وهي لازالت تشرب المياة الغازية .. أغلقت الزجاجة ووضعتها في حقيبتها وعبرت الشارع وأمسكت بيد مي التي وضعت العصى في الحقيبة ..
قالت شيماء – تعالي أنا هعديكي ..
– ميرسي شكراً ..
عبرتا الشارع سوياً .. وقررت شيماء أن توصل مي إلى كليتها
وهنا فقط أخرجت شيماء السماعة من حقيبتها ووضعتها في أذنها ..
**********

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق