نقد

مسلسل الاختيار رؤية تحليلية

بقلم نورا عبد الفتاح

 

هناك ملاحظات قبل البدء فى الأحداث، علينا الانتباه لها أثناء مشاهدة كل الحلقات، لأنها رواسخ واضحة وستتكرر فى حلقات كثيرة وتحتاج منا إلى متابعة.

مسلسل الاختيار مسلسل تلاحظ تميزه من بداية تتر المقدمة؛ فالبداية جاذبة، جادة بما يتناسب مع القوات المسلحة المصرية وعلى الرغم من قسوة المشاهد إلا أن الموسيقى هادئة، يذكرنا بالمسئولية والتوجس والتوتر الذى يعيشه ضابط الجيش ومع ذلك تجده هادئ الطبع فى كثير الأحيان، خاصة ضابط الجيش الذى قد يختلف فى هذه النقطة عن ضابط الشرطة، والذى أتقن هذا الجانب الفنان أمير كرارة.

فدوره فى مسلسل كلبش كضابط شرطة قام بأدائه نفسيٱ بشكل مختلف عن دور ضابط الجيش فى مسلسل الاختيار.

أغلب الدراسات التى تمت عن أى الوظائف والأعمال الأكثر إثارة للتوتر والقلق والتى تسبب ضغطٱ نفسيٱ على صاحبها؛ ظهرت نتائج معظمها إن لم تكن كلها، أن ضباط الجيش لأى دولة هم الأكثر ضغطٱ نفسيٱ ومعاناة عصبية على الإطلاق.

فمسئولية ضابط الجيش كبيرة وضخمة والإلتزام الدائم خانق، والغياب عن البيت لأوقات طويلة مهلك، وشعوره بتقصيره تجاه أهله وبيته مربك، وشعوره اليومى بأن الموت قريب ليس سهلٱ، والإستجابة للأوامر طوال الوقت دون نقاش لا يتحمله الحجر.

والجميل أنه وبالرغم من أن كل هذا يدور فى رأس كل ضابط إلا أنهم يمرحون ويسخرون من كل ما يقف فى طريقهم، فالضابط أحمد المنسى لا يكف عن المرح مع عساكره ومع زملائه الضباط، فيقول ل( سعد ) : “إيه الكرش ده ؟) ، (طب غنيلى )ثم فجأة ( إنتباه يا عسكرى )
وحتى قبل العمليات الخطيرة والتى يخططون لها تخطيطٱ ضخمٱ يجلسون يتسامرون ويضحكون ويستعينون بمرحهم على الظروف.

ثم مشهد العسكرى المسيحى ( جورج ) الذى يقول لزملائه (هاعملكو فطار أحلى من بتاع أمهاتكم )، وزميله الذى يقوم بدوره النجم كريم محمود عبد العزيز الذى يقول له وهو يمضغ الطعام فى نهار رمضان ( إنت بتعمل إيه يا جورج، بتاكل ؟ , طب لما تيجى تصوم إنت هنقعد ناكل كلنا قدامك ونذلك يا جورج ).

الضابط أحمد المنسى يسأل عن زميله المنشق هشام عشماوى ويتحدث معه برفق ولين على الرغم من إختلاف أيدولوجياتهما الفكرية، إلا أن التعصب لا يعرف طريقه إلى عقله، فيناقشه فيما يدور فى عقله برحابة صدر وهدوء دون رعونة أو حماقة.

يعرض على صديقه المال ويلح فى عرضه ( بقلب جامد ).

كريم محمود عبد العزيز رغم أنهم يعلمون أن الموت حولهم فى كل مكان وهم فى الصحراء يرتدون زيهم الرسمى بخامته الثقيلة، بدون كهرباء وبدون ماء ولا مكيفات أو حتى مروحة، يتحدث إلى أمه ويسمع شكواها وينصت ويجيب فى أدب: ( متقلقيش يا اما هندبر الفلوس، لما أنزل أجازة هاتصرف ).

حتى عربات الإرهابيين التى هجمت على الكمين وقتلت كل من فيه وقت الإفطار، كان العسكرى يقول لهم بكل حسن النية ( ما تيجوا تفطروا يا بلدينا )، وإذا بالرد يكون بالبنادق والقنابل والمدافع.

كلام الضابط أدهم كان أكثر من حكيمٱ:
(أعظم حجة ربنا خلقها هى القرءان، وسماحة الدين هى الجوهر، كلام ربنا وتفسيره وبيانه موجود يبقى ليه نسمع للناس ؟)

تعليق عبد الله أخو العسكرى الجميل جدٱ ( سعد ) حين استشهد العساكر فى رمضان وقت الإفطار لأمه حين بكت تأثرٱ على موت شباب صغار وحزنت على حال أمهاتهم، قال لها عبد الله :

ده إحنا اللى نصعب عليهم
دول الجنة من غير ولا كلمة
شهداء وصايمين
اللى مات شهيد إرتاح وفاز

الضابط أحمد ضابط جيش مميز جدٱ وعليه من المسئوليات الكثير والكثير ولكنه يذاكر لإبنه ويعلمه أن رفح والشيخ زويد والعريش أماكن فى القلب لأنها مستهدفة ومطلوبة للفصل عن الكيان المصرى ولكنهم أجزاء من أرضنا ولن نفرط فى قدر مترٱ واحدٱ منها.

مشاهد صلاة الجماعة للجنود والضباط فيه من الهيبة والتدين والنظام والسكينة ما يأخذ العقل.

هذه ملاحظات ظهرت من الحلقات الأولى للمسلسل عن المعسكر الأول الذى ينتمى إليه الضابط أحمد المنسى والجيش المصرى ومعظم الشعب المصرى فى ذلك الوقت، أما الملاحظات التى ظهرت على المعسكر الآخر فى المسلسل فهى كالتالى :

إستخدام ألفاظ منتشرة فيما بينهم وبشكل زائد مثل:
الجهاد، الأخ فلان، الحكم الإسلامى، الريس بتاعنا بتاع ربنا، الكفار، طريق ربنا، النفوس الضعيفة، هما دول يعرفوا ربنا ؟، البلد بقت بلدنا، لازم كل حاجة تبقى فى إيدينا، الشهيد من عندنا بمليون كافر من عندهم، كعك العيد بدعة وحلاوة المولد بدعة.

الضابط المنشق هشام عشماوى والذى يقوم بدوره النجم أحمد العوضى لم يصدر عن لسانه كلمة واحدة طيبة عن شئ واحد، فهو متجهم طوال الوقت، مثير للطاقة الهادمة بكل نشاط، متعصب جدٱ لآرائه الغير قابلة للنقاش من وجهة نظره لأنها ثوابت أكيدة.

بعد أن بقى فى المؤسسة العسكرية لا يرى فيها إلا أنه موظف برتبة ضابط جيش، وأن وجودهم لا هدف منه فهم لن يحاربوا ولم يحاربوا ولن يكونوا شهداء الوطن.
أمه لا تردد إلا أن ( الجيش كله شقى وشحططة وحزن وكسر خاطر وترى أن إبنها كان أسيرٱ عند جيش بلده وتحرر بخروجه ( معاش مبكر).

كان أنصار هذا المعسكر يؤيدون قرارات رئيسهم حتى ولو لم يعرفوها بعد، فواحد منهم يطلب من العسكرى سعد أن يأتى معه فى حشد تأييدى لقرارات الرئيس التى ( سوف ) يقولها وهو لم يعرف عنها شيئٱ حتى.

ويقول عنها المؤيد: ( أهى قرارات وخلاص يا سعد أنا إشعرفنى؟)

يتصورون أن ( البلاوى على راس الريس) وكأن كل رؤساء العالم هانئون منعمون لا يواجهون أى عقبات.

فى قلب معظمهم لا تجد السكينة والرضا التى تناسب العارفين بالله الذين يمارسون الدين فى أفعالهم وأقوالهم.

وسنرى المزيد من المعسكرين فى الحلقات القادمة بإذن الله.

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق