مقتطفات

ميدان التحرير..الإسماعيلية سابقا

سرد : طارق الصغير

في عصر قدماء المصريين كان ميدان التحرير عبارة عن رقعة من الصحراء، وما إن بنى الفاطميون القاهرة (التي تحوَّل إسمها فيما بعدُ في اللغة الإنجليزية إلى «كايرو») فى القرن العاشر الميلادي، كان نهر النيل قد غيَّر مجراه، و ابتلع مساحة كبيرة من هذه الأرض، وأصبحت المنطقة فيما بعد عبارة عن مستنقع، يغطيه الماء أثناء مواسم الفيضانات، وبنهاية القرن الثامن عشر، وفي الوقت الذي احتلَّ فيه نابليون القاهرة، كانت الأرض قد جفَّت بدرجة تسمح للفرنسيين بأن يقيموا معسكراتهم هناك، ولم تكن شبكة السدود التي بُنِيَت للتحكم في فيضان النهر قد ظهرت حتى عصر محمد علي – مؤسس مصر الحديثة – وقد أدت هذه السدود إلى إستقرار ضفاف النيل في القاهرة.

كان الميدان عبارة عن مكان مفتوح، تبلغ مساحته ٥٠٠ فدان، ويضم حقولاً مزروعة وحدائق، والعديد من قصور العائلة المالكة فى عهد الخديوي إسماعيل، وقد اشتهر إسماعيل – حفيد محمد علي – بمؤسس القاهرة الحديثة، حيث أن إسماعيل كان يعيش في باريس أثناء إعادة بناء المدينة على يد (بارون هاوسمان) فقد باشَرَ إسماعيل مشروع تحديث مدينة القاهرة بعدة طرق، كان من بينها بناء حيٍّ سُمِّيَ فيما بعد باسمه، وفى وسط هذا الحي كان هناك ميدان حَمَل الإسم نفسه (ميدان الإسماعيلية).

لم يتخذ الميدان – مع ذلك – شكلاً معيناً حتى تم بناء المتحف المصري في الجانب الشمالي الشرقي منه، وقد أغرقت مشروعات التحديث – الذي قادها الخديوي إسماعيل – البلادَ في ديون ثقيلة، وكان إسماعيل أول حاكم لمصر الحديثة يُخْلَع من السلطة – وفى هذه الحالة وكانت القوى الأجنبية صاحبة هذا الفعل – وكان الإحتلال البريطاني لمصر أحد النتائج المترتبة على سنوات الضعف في القرن التاسع عشر، وبالفعل أقام الإنجليز قواتهم غرب الميدان في الإسماعيلية، وقد أطلق المصريون على هذا المكان اسم «الثكنات الإنجليزية».

وفي بدايات القرن العشرين بزغ حي الإسماعيلية مركزاً للقاهرة الحديثة، وامتد باتجاه الميدان، الذي كان من الضروري أن يعاد تخطيطه لتسهيل سير مركبات المرور الحديثة في القاهرة، ولذلك أُنشِأ دوار في الجزء الجنوبي من الميدان، وبعد عقود قليلة – أثناء فترة حكم الملك فاروق – وُضِع في المكان قاعدة فارغة لتمثال، وأمر فاروق ببناء تمثال لجده الأكبر – الخديوي إسماعيل – ليوضع على هذه القاعدة، وأثناء ذلك الوقت بُنِي المركز الرئيسى لجامعة الدول العربية أيـضاً، وبالتالي تحدد الجانب الشرقي للميدان.

شهد الميدان أول مظاهرات ذات شأن في الفترة نفسها، فقد أثارت معارضة الوجود البريطاني في مصر الاحتجاجات والمصادمات، وقتلت الشرطة أربعة و عشرين مصريّاً في الحادي عشر من فبراير عام ١٩٤٦ م، وفي اليوم نفسه، وبعد مرور خمسة و ستون عاماً، أُجِبَر الرئيس مبارك على التنحي، فهل هذا من قبيل المصادفات التاريخية؟!

‎في الستينيات، أصدر الرئيس عبد الناصر مرسوماً حكوميّاً يقضي بتغيير إسم الميدان من (الإسماعيلية) إلى (التحرير) لتخليد ذكرى رحيل الإنجليز عن مصر

وسيراً على المنوال نفسه هَيَّج الإستياء من حكومة الملك فاروق مجموعة أخرى من الاحتجاجات، التي أدت الى حريق القاهرة في الخامس والعشرين من يناير عام ١٩٥٢ م، وقد أُضرمت ألسنة اللهب بعدد قليل من المباني في الميدان، وفي اليوم نفسه تقريبا، وبعد مرور تسعة وخمسين عاماً، نزل الشعب المصري بأعداد لم يسبق لها مثيل للاحتجاج ضد الحكومة.

كان حريق عام ١٩٥٢ م تمهيداً للثورة في الثالث والعشرين من يوليو، والتي حوَّلت مصر من مملكة تغطُّ في سُبات عميق إلى جمهورية ثائرة، وفي العقد التالي، وبالتحديد في الستينيات، أصدر الرئيس عبد الناصر مرسوماً حكوميّاً يقضي بتغيير إسم الميدان من (الإسماعيلية) إلى (التحرير) لتخليد ذكرى رحيل الإنجليز عن مصر.

في بداية الستينات بُنِيَ فندق (هيلتون) على موقع الثكنات العسكرية القديم، وبجواره مبنى كان من المخطَّط له أن يكون المجلس المحلي للقاهرة، ولكنه أصبح مركزَ قيادةِ الإتحاد العربي الإشتراكي لعبد الناصر (الحزب الوحيد الذي حكم مصر معظم فترة حكمه)، وكان هذا هو المبنى الذي وَرِثه الحزب الوطني الديمقراطي فيما بعدُ، وقد أحرق في يناير عام ٢٠١١ م.

وفي مفارقة ساخرة يصل تمثال الخديوي إسماعيل – جد الملك فاروق – إلى مصر بعد أسابيع قليلة من ثورة ١٩٥٢ م، وبالطبع لم يوضع على قاعدته أبداً، وقد كان رمز القاعدة الشاغرة – التي هي أثر للمَلَكية البائدة في مصر – مَعْلماً تركه عبد الناصر دون أن يمسَّه، وظلت هذه القاعدة في مكانها حتى السبعينيات، حين تطلب إنشاء نظام المترو إزالتها، وفي عهد الرئيس أنور السادات فاز ميدان التحرير بأول محطات مترو القاهرة، التي سُمِّيت باسم السادات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق