حكاوي

ملكوت الخرس

بقلم/ محمد عبودة

الجزيرة مرة أخرى .. ليالي الجزيرة أشبه ما يكون بصخرة “سيزيف”، ولا يعلو صوٌت فيها على صوت الصمت –تمامًا كنهارها-، حتى نفحات الهواء تمر من خلال أغصان الأشجار وأوراقها فلا تنبس عن إعلان نفسها في حضرة الملكوت. استغرقت رحلة عودته بضع أياٍم ولياٍل لم يحصها، حتى وصل قبيل منتصف الليل، أرسى قاربه وخطى أولى خطواته منذ مدٍة قد طالت على سطح الجزيرة. كل شيٍء هادئ مستكن، المارة القليلون المنتشرون في الأرجاء يسير شبانهم قبل شيوخهم سير من خارت قواه، الكل أحدٌب وإن كان منتصبًا!
وليالي الملكوت شديدة الطول والغرابة وهدوءها موحش، والوحدة تعبق في الأجواء، والنيران وحدها تضيئها ولا شيء سواها!
تلفت باهر عن يمينه وعن شماله فلم يلحظ إلا نفور المشمئزين منه ومقتهم، وكأنهم عرفوه شيخًا منذ دهٍر بعيد فلم يجفل أحٌد بلحظٍة من الاندهاش لهيئته التي لم تدم سوى أيام، بعضهم يتهامسون في ما بينهم، وعيونهم تفصح عن سوء ما اتخذوه حديثًا لهم مكللًا باللعنات والسباب غير المنقطع.

في تلك الساعة المتأخرة نسبيًا من الليل لا ترى الزحام -على ندرته-، بيد أن جموع المعربدين والمجاذيب والعجزة من القوم يفدون إلى حيث يستكن مجلس الملكوت الأعظم، وتُجمع الحشود في بهٍو عظيم المساحة حتى يستوعب الجموع من المريدين كي ينهلوا من البخور واللعب واحتساء الشراب الساخن ويفرغوا ما في جعبتهم من نميمٍة تبزغ على استحياء لا جدوى منها ولا طائل وحديث يختلط ببعضه حتى يكاد أحدهم لا يسمع ما ينطق به لسانه، فتولد حالٌة من الصمم المغلف في صورة حديث. ويفصلهم عن المجلس حائٌط سميك صنع من أخشاٍب عصية على الزمن كباقي أبنية الجزيرة، فأهلها لا يعرفون سوى الأخشاب والحديد والخوص والطوب اللبن أحيانًا، ولكن أصلب الجدران وأعظمها سمكًا كان ذلك الذي يعزل شيوخ المجلس عن العوام داخل الملكوت، وتتوسطه بوابٌة خُلقت من أصلب المعادن، يحرسها من الخارج حارسان ويقبع خلفها نفر من أشد الحراس وأكثرهم غلظًة ويقظة، ويُفتح الباب عن ممٍر قصير ينتهي عند سلٍم عاٍل تقود درجاته إلى الطابق العلوي حيث الغرف المخصصة لكبار أعضاء المجلس وبعض الغرف الأخرى لمن يستقبلون من نزلاٍء ذوي أهميٍة لأئمة المجلس، وقبل الدرج ببضع خطواٍت منعطٌف يقود إلى ممٍر أشد ضيقًا وأكثر إظلامًا ينتهي عند بوابٍة أخرى تفتح عن ساحٍة مغلقة حيث تعقد جلسات الأئمة وتقام المحاكمات لمن يتخذ هواه سبيلًا.
تقدم باهر حيث يتمركز معقل الملكوت الذي يقبع شامخًا وسط الأبنية الدميمة المنتشرة من حوله.

هنا فقط يُعرف معنى الضجيج وتُسمع الأصوات على غير درايٍة بما تحمل من كلمات.. هنا الكل ثمٌل بفعل سحر الأجواء شديدة الهزل والفوضوية والدخان المحبب الذي يتعالى من المباخر، إنها محاكاٌة بالية لخلق حالٍة من الحياة بات يزدريها هو ولم يكن يومًا يُحسب على سائر العوام، ربما كان لمخالطته كبار القوم تأثير في تكوين ازدراٍء حمله لممارسات الأراذل، حتى وإن كان ازدراًء يتخلله الإشفاق والأسف على ما حاق بهم من ضلال مجحف.
وأُدخل باهر إلى ساحة الهرج والمرج، واصطدمت به إحدى العاملات على خدمة المريدين فلم يأبه بها ولا بما أسقطت من أوعية، ثم تابع تقدمه متحاشيًا الزحام، خالقًا طريقه وسط الحشود إلى أن وصل إلى البوابة التي تتوسط الجدار العازل فما لبث أن أظهر وجهه حتى تيسر له العبور –وكان من القلائل الذين يسمح لهم بالمكوث لوقٍت محدود في حضرة مجلس الأئمة- دونما سؤال عن شيخوخته المباغتة، ثم انعطف يسارًا مارًا بجانب الحراس حتى توقف أمام بوابة المجلس التي تعلوها شعلٌة كشفت أضواءها المهتزة عن حارس البوابة الأمين وكان ذا بنية ضخمة ووجه حسن تزينه دماسة خلقه وولائه منقطع النظير. ودار بينهم حديث قصير انتهى بحصول الحارس على إذٍن بإدخاله إلى حيث ينتظره الشيوخ.
دلف باهر أرض المجلس، وأُغلق الباب من خلفه وسار على غير عجلةٍ حتى تخطى صفوف الحراس ووقف يغالب وهنه في أوسط القاعة، وارتكز أمامه عرٌش مهيب، صنع من الخشب الزان، وازدانت معالمه بأزهى نقوش الأرابيسك، وغلفت أطراف مسانده بالذهب، وكان جالسًا فوقه بهاء عبد الرب في ردائه الملكي وقد اعتلت عمته رأسه، وقبضت يمناه على صولجاٍن يتكئ عليه وقد زاده بهاًء ورونقًا غير مصطنع، وإلى يمينه جلس مستشاره الحكيم على مقعٍد أقل شأنًا من العرش، وإلى يساره استقر كبير المشايخ على مقعده أيضًا، ووقف خلفهم اثنان من ذوي العلم والثقة، وتراص بقية أفراد المجلس على طرفي القاعة، كٌل قبع فوق مقعده ساكنًا حتى يؤذن لأحدهم بالنهوض ليدلي بدلوه، واصطف الحراس على مقربٍة من البوابة لا يتجاسر أحدهم على الحراك إلا بأمٍر من الإمام بهاء عبد الرب أو كبير شيوخه.
وقف باهر على مرأى ومسمع من الجميع، وقوبلت طلته بأحاديث الاستهجان على ألسنة أفراد المجلس كافًة معلنين عن رفضهم بأن يدنس أرض المجلس الطاهرة أحد ممن خرجوا عن طوعهم فما كان من بهاء إلا أن أشار إلى كبير الشيوخ فأمر بالتزام الصمت، وترامق الإمام وباهر، وارتسمت على شفتا بهاء ابتسامة تحمل مرار التشفي ثم شرع في الحديث ولم يتخلَ عن شموخه:
– أحسب أن رحلتك لم توفق، وما عدت منها بشيٍء سوى العجز
– ضريبة هينة يدفعها من تراءت له الحقيقة في أقبح صورها
– ليس للحقيقة سوى صورٌة واحدة شديدة القبح، وها أنت ذا قد عدت هائمًا، خائر البدن، وحائر الفؤاد متجردًا من النعم
– بل عدت وقد لثمني الرشد الحق بردائه
أجفل بهاء بما يبطن له فقال:
– الحق أنك ملعون، وقد رحلت غير مأسوٍف عليك
فحدجه باهر بنظراته قبل قوله:
– والليلة تسقط اللعنات جمعاء، ويحترق نعيمكم المكذوب إلى الأبد
تمخض المجلس عن ازدراٍء شديد، وقد وقع قول باهر موقعًا بالغ الإثم، واصطكت أرجاء القاعة بسيٍل من الاتهامات واللوم حتى طالت أقذع الألفاظ باهر فلم ينبس حتى عقد بهاء ألسنتهم بضربٍة واحدة من صولجانه اهتزت لها أرض الملكوت حتى عاد له الخرس، ثم رمق باهر بعينين تنذران بالوعيد واستأنف حديثه:
– الآن تمثل أمام قاضيك لتحاكم على سوء ما عملت
– أعظم بها من محاكمٍة أكون أنا القاضي فيها والجلاد
ثم أردف وقد دنا من بهاء حتى صار شديد القرب منه:
– ليس لكم من ملاٍذ تفرون إليه.. ستلعنكم روحي حتى يوم الهلاك الموعود ولو جئتم بأثمن القرابين من أنفسكم وأبنائكم!
ضاق حضور المجلس بحديث باهر، فمد ساعده الأيسر إلى ردائه فكشف عن خنجٍر أثرٍي ورثه عن جده الأكبر، وقد قطع غمده الموصول بحزامه أثناء سحبه ثم بآخر ما تبقى له من مقدرة جهل مصدرها لوح بيده سريعًا فشق حلق بهاء عبد الرب وأقبض يده على صولجانه فنزعه عن يد الإمام الذي جثى على ركبتيه غارقًا في شلال دماٍء انفجر من رقبته، ثم هم باهر برأس الصولجان العتيق على رأس المستشار فطرحه أرضًا جثًة هامدة وغرس خنجره الحاد في قلب كبير الشيوخ..
اندفع كل عضٍو من الجلوس نحو باهر ليردعوه وقد فطن بعضهم إلى أن الخروج بحياتهم أثمن من أن يكونوا أطرافًا في عراٍك داٍم كذاك، وأبى الحراس كافًة الحراك، ولم يفتحوا الأبواب الموصدة حتى يلوذ أحٌد بالفرار وبقوا ليشهدوا الملحمة الدائرة في خضم ملكوت قد انتهك وقاره.

انتزع باهر خنجره من قلٍب تم تمزيقه ليشق حلق آخٍر مفسحًا الطريق للصولجان الذي باغت رؤوسًا لم تحسب أنها لتهشم في ليلٍة عسيرٍة كتلك أبدًا، وانتصب الحراس بلا حراك في أماكنهم كساري سفينٍة لا يهوي، غير مذعنين لصرخات الضحايا، وغير متجاسرين على أداء واجبهم دون إشارةٍ من كبيرهم الذي أُزهقت روحه للتو، ولما فرغ باهر من آخر من تبقى من الشيوخ سار منتشيًا بنصره داهسًا وجوه الأبدان التي ترامت على الأرض، ممثلًا بجثة من لم يشوه منهم، ومشى فوقهم بثمالة إمبراطور جائر لا يتندى عن مثقال ذرٍة من رحمة أو غفران، حتى إذا شهد بحور الدم المسفوك فتتفجر النشوة بداخله وقد اهتدت إلى مواطن جروحه فأخمدتها، وكشف فاه عن ضحكاٍت لم تزايله وهو يهشم المصابيح المعلقة على الجدران فتحررت الشعلات منها حتى زحفت على الجدران إلى منتهاها، ثم طوح الصولجان ناحية النجف المتدلي من السقف الشاهق فهوى وأضرمت النيران في جثث لم تعد تعرف معالمها، وسرعان ما اكتسى الملكوت بثوب النيران فهرع أهل الجزيرة إلى الخارج فنجا من نجا منهم وهلك من لم يفلح في الفرار.
ولم يبرح الحراس أماكنهم، ورمقهم باهر بإجلاٍل امتزج بسخريٍة لم يكتمها:
– أعجزتم حتى عن الفرار! ما بالكم تحترقون فلا ينبس أحدكم عن تأوٍه ولو بنظرة حتى يأذن له كبيركم!
واستند باهر إلى العرش الذي كابد من أجل مجابهة النيران، وحال بينه وبين خروجه هزالة بدنه ونزوح ما أوتي من قوٍة في صحوته فأدرك انتهاء هدنته مع الموت.. وأزلف السقف حتى تهاوى ليفسح الطريق لملك الموت الذي هبط داخل الملكوت حتى إذا سكن جناحيه شق صدر باهر الذي تبسم في إكبار، وانتزع الملك قلبه الذي طُلي بالذهب ثم ارتحل إلى السماوات السبع..

وأُحرق الملكوت، وتهدم رونقه وجلاله أمام ناظري أهل الجزيرة الذين وفدوا إليه في عجالة من كل أرجائها، فشهدوا الجحيم يأبى الانطفاء إلا وقد صير الشموخ رمادًا!
وهرولت السنين، وبات اليوم الذي أُحرق فيه الملكوت حديثًا لم ينضب ولم يندثر لعقوٍد طوال حتى أقيم عيد يخلد ذكراه في الخفاء، وخشي أهل الجزيرة أن يغدو عيدهم جليًا فآثروا الصمت خشية ما قد يدركهم من شروٍر إذا ما احتفوا به في العلن.. فأصبح عيدهم يمضي في صمت كسائر ما حلى لهم من ملذات عظموا شعائرها في الخفاء.

وأُعيد الملكوت إلى عهده القديم، رممت مبانيه وعلت أدواره شاهقة كما عهدها المحليون، غير أن ما حدث ما كان لينظر له على أنه بالأمر الهين، وما كان يومًا من سمٍو وإجلال تبدى اليوم متجردًا من رداء الشموخ، واستبدله ورثة الملكوت برداٍء صلٍب قوامه الحزم والحد من براعم الشرور.

 

لينك الفصل الأول

في البدء..كانت (لينا)!

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق