سلايدرمقالات

لمحات من السيرة

السيد شحاتة

نحن على موعدٍ مع ذِكْرَى مولد النبي صلى الله عليه و سلم، ماذا يفعل الناس في هذه المناسبة؟ يجتمعون ، يستمعون إلى مديح رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، يلقون الكلمات التي تبيِّن شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن لي ملاحظة أتمنى أن تُؤخذَ بعين الاعتبار وهي أننا إذا اجتمعنا في مساجد الله عزَّ وجل في بيوتات الله عزَّ وجل، واستمعنا إلى مديح النبي عليه الصلاة والسلام، واستمعنا إلى كلماتٍ وضيئةٍ تتحدَّث عن شمائله، فنحن جميعاً طرفٌ واحد، نحن جميعاً نُصَدِّق ما يقال، لأننا مؤمنون – ولله الحمد – نحن جميعاً لا نكذب من يتكلَّم عن النبي مادحاً، ولكنَّ بطولتكم في عيد المولد النبوي الشريف أن تدعو أُناساً لا طريق لهم إلى المسجد، بعيدون عن فهم هذا الدين، عليكم أن تهتموا بالطرف الآخر، لو أن واحداً منكم دعا أقرباءه، دعا من يلوذ بهم، دعا أصدقاءه، دعا الذين على احتكاكٍ يوميٍ معهم إلى إحتفال متواضعٍ بمناسبة المولد النبوي، وأسمعهم عن سيرته العطرة ما يجعلهم يحتذوا حذوه فقد عمل عملا له أجرا عظيما بإذن الله.
فلذلك أن نجتمع نحن المؤمنين في بيوتات الله لنحتفل بعيد المولد هذا سلوكٌ طيب، سلوكٌ مُسْعِد ، ولكنَّ الأطيب منه هو أن تنقُل أناساً قلَّما يأتون إلى بيوت الله، أن تنقل أناساً بعيدين عن الاتصال بالله، أن تنقُل أناساً في خطٍ آخر غير خط الله ورسوله، إذا فعلت هذا فأنت داعيةٌ ورب الكعبة.
فلذلك أعجبتني في المَوْسم الماضي نماذج من إخوتنا الكرام الذين دعوا أقرباءهم، و أصدقاءهم، جيرانهم الذين هم يشكِّلون الطرف الآخر، الشاردون عن الله، البعيدون عن قيَم الدين، دعوهم إلى بيوتكم واحتفلوا بعيد مولد النبي عليه الصلاة والسلام، ورددوا على أسماعهم أخلاقه العليَّة، وصفاته الطاهرة، وأسمعوهم شيئاً من حقيقة الإسلام، وجوْهَر هذا الدين العظيم، إن فعلتم هذا نقلتم أناساً من طرفٍ إلى طرف .
شمائل النبي :
أيها الأخوة الكرام … للنبي عليه الصلاة والسلام شمائل كثيرة ، أولاً : لقد زَكَّى الله عقل النبي حينما قال :
﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾
[سورة النجم : 2]
وزكَّى لسان النبي حينما قال جلَّ جلاله :
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾
[سورة النجم : 3]
وزكَّى شرع النبي حينما قال :
﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
[سورة النجم : 4]
وزكَّى جليسَ النبي حينما قال :
﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾
[ سورة النجم: 5]
وزكَّى فؤاده فقال :
﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾
[ سورة النجم: 11]
وزكَّى بصره فقال :
﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾
[ سورة النجم: 17]
وزكَّاه كلَّه فقال :
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القلم: 4 ]
الخُلق الحسن هو كل شيءٍ في الدين :
أيها الأخوة الكرام … مرَّةً ثانية : بماذا وُصِفَ النبي عليه الصلاة والسلام ؟ وُصِفَ بأنه على خلقٍ عظيم ، لقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن :
((أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خُلقاً))
[ من الدر المنثورعن جابر بن سمرة ]
وأنَّ ..
((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا))
[ من الجامع لأحكام القرآن عن أبي جعفر ]
وأنَّ ..
((من أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً))
[ من الجامع الصغير عن أسامة ]
و أنَّ أقرب المؤمنين مجلساً من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أحسنهم خُلُقاً.
هذا الحديث الرابع ، وأنَّ ..
((يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان ؟ قال: خلق حسن))
[ من الدر المنثور عن أسامة بن شريك ]
وأنَّه ..
((ما من شيءٍ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلقٍ حسن))
[ من الدر المنثور عن أبي الدرداء ]
وأنَّ ..
((المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم))
[ من تخريج أحاديث الإحياء ]
((بل إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة))
[من الدر المنثور عن أنس ]
و..
((حسن الخلق يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل))
[من الدر المنثور عن ابن عباس ]
أكثر من عشرة أحاديث صحيحة تؤكِّد أن الخُلق الحسن هو كل شيءٍ في الدين ، لهذا وصف الله النبي الكريم بأنه على خلقٍ عظيم ، لذلك إذا أردنا أن نحتفل بعيد مولد النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي أن نذكر شمائله، وأن نقتدي به، ينبغي أن نتعلَّم، وأن نطبِّق، ينبغي أن نفهم وأن نسلُك، ينبغي أن نجعل النبي عليه الصلاة والسلام قدوةً لنا ، أسوةً لنا ، نموذجاً لنا .
عناية النبي بأصحابه :
إذاً ينبغي أن نسأل ماذا كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام ؟ مثلاً : كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته لفَّ ثوبه ، هذا من خُلُقه الرفيع ، ينبغي أن نتأسَّى به .
كان من عنايته بأصحابه صلى الله عليه وسلَّم ما رواه الحاكم بإسناده : ” أن النبي صلى الله عليه وسلَّم دخل بعض بيوته ، فدخل عليه أصحابه حتى غُصَّ المسجد بأهله وامتلأ، فجاء أحد أصحابه وهو جرير البُجَلِيّ ، فلم يجد مكاناً ، فقعد على الباب ، فنزع النبي عليه الصلاة والسلام رداءه ، وألقاه إليه ليجلس عليه ، فأخذه جرير ، ووضعه على وجهه، وجعل يقبِّله، ويبكي، وأعاده إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم، وقال : يا رسول الله ما كنت لأجلس على ثوبك، أكرمك الله كما أكرمتني ” ، فنظر النبي صلى الله عليه وسلَّم يميناً وشمالاً و قال : إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه”
هـكذا كان مع أصحابه .
وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه قال : لمَّا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلَّم ألقى إليَّ وسادةً من أدمٍ محشوةً ليفاً ، وقال : اجلس عليها ، قلت : بل أنت ، قال : بل أنت ، فقال عدي : فجلست عليها وجلس رسول الله على الأرض، فقلت: أشهد أنك لا تبغي علواً في الأرض ولا فساداً، وأسلم عديُّ بن حاتم على يدي النبي لمَّا رأى من تواضعه.
وروى البيهقي في الدلائل أنه : ” وفدَ وفدُ النجاشي على النبي صلى الله عليه وسلَّم ، فقام النبي صلى الله عليه وسلَّم يخدمهم بنفسه ، فقال له أصحابه : نحن نكفيك يا رسول الله القيام بضيافتهم وإكرامهم ” ، فقال عليه الصلاة والسلام : “إنهم كانوا لأصحابنا مُكْرمين ، وأنا أحب أن أكافئهم ”
خدمهم بنفسه ، هكذا كانت أخلاق النبيّ صلى الله عليه وسلَّم .
صبر النبي عليه الصلاة والسلام و شجاعته :
من صبر النبي عليه الصلاة والسلام ما رواه الإمام أحمد والترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه أنه قال : قال عليه الصلاة والسلام :
(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ ))
[ أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان عَنْ أَنَسٍ]
كان قدوةً لنا في السرَّاء والضرَّاء ؛ خاف ، وجاع ، وتحمَّل المشاق، وتحمل عداوة قُرَيش، وتحمل بأسَهم الشديد، ومقاطعتهم، وإيذاءهم، وإخراجهم، وسخريتهم، وتكذيبهم، ألم يقل عليه الصلاة والسلام لقتلى بدر : ” يا فلان، ويا فلان – وسمَّاهم بأسمائهم – هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ لقد كذَّبتموني وصدَّقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس”
أيها الأخوة الكرام … ومن شجاعة النبي عليه الصلاة والسلام ما قال سيدنا علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه : ” كنَّا – أي معشر الصحابة – إذا حمي البأسُ واحمرت الحَدَق اتَّقينا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فما يكون أحدٌ أقرب إلى العدو منه”
خشيته صلى الله عليه و سلم :
وأما من خشيته ، كان يخاف الله خوفاً لا حدود له ، رأس الحكمة مخافة الله .
غضب صلى الله عليه وسلَّم ذات مرةٍ من غُلام ، وكان بيده سِواك ، فقال له : “والله لولا خشية القصاص لأوجعتك بهذا السواك ”
وكان عليه الصلاة والسلام عظيم الهَيْبَةَ ، لأنه من اتقى الله هابه كل شيء، ومن لم يتقِ الله أهابه الله من كل شيء، كان عليه الصلاة والسلام فخماً مفخَّماً ، يتلألأ وجهه صلى الله عليه وسلَّم تلألؤَ القمر ليلة البدر، من رآه بديهةً هابه، ومن خالطه أحبَّه.
دخل عليه رجلٌ فأصابته رعدةٌ شديدة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلَّم :
(( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ : هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))
[ ابن ماجه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ]
عدل النبي و رحمته :
ومن عدله صلى الله عليه وسلَّم ما رواه الشيخان – البخاري ومسلم – واللفظ للبخاري عن عروة :
((أن امرأةً سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ففزِعَ قومها إلى أسامة بن زيد رضي الله عنهما وكان حبَّ رسول الله – محبوبه – يستشفعونه ، قال عروة : فلمَّا كلَّمه أسامة تلوَّن وجه النبي عليه الصلاة والسلام وقال لأسامة : يا أسامة أتشفع في حدٍ من حدود الله؟ فقال أسامة : يا رسول الله استغفر لي يا رسول الله . فلما كان العَشِيّ قام عليه الصلاة والسلام في الناس خطيباً فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : أما بعدُ .. فإنما أَهْلَكَ الناس من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها))
[البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]
هكذا العدالة .
ومن رحمته صلى الله عليه وسلَّم ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال : ” أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلَّم خلفه ذات يوم ، فدخل حائطاً – أي بستاناً – لرجلٍ من الأنصار، فإذا فيه جَمَل ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلَّم حَنَّ الجمل وزرفت عيناه ، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فمسح ذِفريه فسكن الجمل ، فقال صلى الله عليه وسلم :
((مَن صاحب هذا الجمل ؟ فجاء فتىً من الأنصار ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : ألا تتقي الله بهذه البهيمة التي ملَّكَكَ الله إيَّاها ؟ فإنه شكا إليه أنك تجيعه وتدئبه))
[الطبراني عن عبد الله بن جعفر]
أيها الأخوة الكرام … هذه رحمة النبي ، رحمته بالخَلقِ جميعاً، رحمته بالخلق كافَّة ، حتى المخلوقات كان يرحمها ، كان يعطف عليها ، كان يحرَص على سلامتها ، يحرص على إطعامها، يحرص على عدم إرهاقها .
وكان أعظم الناس حياءً لأنه أعظمهم إيماناً ، وقد قال صلى الله عليه وسلَّم :
((الحياء من الإيمان))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
فكان أشد حياءً من العذراء في خدرها ، وقد بلغ من حيائه صلى الله عليه وسلَّم أنه لا يواجه أحداً بما يكرَهه .
من تعرف إلى النبي كان حاله أفضل :
يا أيها الأخوة الكرام … لو أن المسلمين اليوم تعرَّفوا إلى نبيِّهم معرفةً صحيحة، لقوله تعالى:
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ ﴾
[سورة المؤمنون: 69]
لو أنهم تعرَّفوا إليه ، لو أنهم طلبوا العِلم ، وتعرَّفوا إلى سيرته صلى الله عليه وسلَّم ، تعرفوا إلى أخلاقه ، تعرفوا إلى نفسه السامية ، لو تعرفوا إليه وجعلوه قدوةً لهم ؛ في حياتهم ، في أعمالهم ، في حركاتهم ، في نشاطاتهم جميعاً ، لكانوا في حالٍ غير هذا الحال .
رحم الله من قال في مدح خير الأنام :
يا من له الأخلاق مـا تهوى العٌـلا منها و ما يتعشَّق الكُبـــراء
فإذا ســخوت بلغت بالجود المدى و فعلـــت ما لا تفعل الأنواءُ
وإذا عفـوت فقادراً ومقــــدَّراً لا يســتهين بعفوك الجُهـلاء
وإذا رحمـت فأنــت أمٌ أو أبٌ هـذان في الـدنيا هم الرحماء
وإذا غضبت فإنما هي غضبـة في الحق لا ضِغنٌ و لا بغضـاء
وإذا خطبت فللمـنابر هِــزَةٌ تعرو الَنديَّ و للـقـلـوب بكاء
يا أيها الأمي حســبك رتبـةً في العلم أن دانت بك العـلمـاء
* * *
الحديث عن أخلاق النبي وشمائله يملأ القلب بهجة :
أيها الأخوة الكرم … أليست لكم سهرات؟ أليست لكم لقاءات؟ أليست لكم أُمْسِيَات؟ أليست لكم أماكن تقضون وقتكم فيها؟ هذه اللقاءات بماذا تملؤونها؟ بالقيل والقال؟ بالحديث الذي لا مضمون له؟ بالحديث الذي لا يغني ولا يُسْمِن من جوع؟ بالحديث الذي يفرِّق ولا يَجْمَع؟ بالحديث الذي يملأ القلوب ضغينةً وحسداً؟ بالحديث الذي لا معنى له؟ باللغو الفارغ؟ حبَّذا لو ملأتم مجالسكم، ملأتم لقاءاتكم بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلَّم ، فبالحديث عن أخلاقه تتعطَّر المجالس ، بالحديث عن شمائله تمتلئ القلوب بهجةً وغِبْطَة، بالحديث عن أخلاقه الرضيَّة ترتسم البسمة على الوجوه.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق