فلكلور

رجال العمارة وهندسة البناء في القاهرة

صلاح عادل

في شهر نوفمبر عام 1382 حظيت القاهرة بقدوم المؤرخ والفيلسوف التونسي عبد الرحمن بن خلدون، فبهرته عظمتها وجمال عمارتها، ونراه يسجل انطباعه عنها في ذكرياته، قائلاً: “انتقلت إلى القاهرة أول ذي القعدة عام 784هـ (1382)، فرأيت حاضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك، تلوح القصور والأواوين في جوه، وتزهر الخوانك والمدارس بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من عليائه.
وقد مثل بشاطئ بحر النيل نهر الجنة، وموقع مياه السماء يسقيهم النهل والعلل سيحه، ويجبي إليهم الثمرات والخيرات ثجة، ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة، وأسواقها تزخر بالنعم … ثم ختم حديثه قائلاً: “ومن لم يرها (يقصد القاهرة) لم يعرف عن الإسلام”.
استقر ابن خلدون في القاهرة ما يقرب من ربع القرن حتى توفاه الله في سنة 1406 بعد أن شغل عدة مناصب دينية وعلمية كبرى، كان من أهمها مناصب القضاء . عاصر ابن خلدون في مصر زميل ومؤرخ نعرفه حق المعرفة، وهو العلامة أحمد بن علي المقريزي (1364- 1441) الذي وصف لنا القاهرة وعمائرها وأخطاطها وأمدنا بتاريخ واف عن هذه المدينة الجليلة، حينما تناثرت فيها المساجد والأضرحة والدور والقصور والمدارس والحمامات والوكالات والأسواق، وكل منها يحكي قصة تاريخية جليلة عن منشئها ومهندسها، وجمال عمارتها.
وموجز القول، فقد كانت القاهرة في تلك الأيام (القرن الخامس عشر) مدينة رائعة الجمال فخمة البناء ترصعها العمائر الرائعة في كل حي من أحيائها التليدة.. كانت جميع المباني العتيقة التي نمر بها اليوم، كمدرسة السلطان حسن وقصور الأمير ماماي ويشبك وبشتك وخانقاه فرح بن برقوق ، وعمائر الناصر محمد بن قلاوون وأبيه، كانت جميعها في قمة مجدها حينذاك!
تلك هي القاهرة التي نمجد ذكراها، المدينة الألفية التي تفخر بأزهرها الجليل على مر السنين. القاهرة التي احتوت على مئات من الكنوز الأثرية التي تحكي تاريخها خلال ألف سنة.. وكأنها موسوعة معمارية، تصف طراز كل عصر وأسلوب كل زمن في فن البناء والزخرفة والنقش: مآذن وقباب ومحاريب وأضرحة وأسبلة نشاهدها في تطور معماري منسجم وكأننا في متحف يوضح تطور أساليب العمارة التي امتازت بها القاهرة.
مرت بنا أسماء جميع الحكام الذين أسهموا في بناء عمائر القاهرة ولا سيما السلاطين المماليك وأمراؤهم ممن أقاموا المدارس والمساجد والخوانق والمدافن التي تميزت بالتألق في مآذنها وفي قبابها. وقد جهل معظم هؤلاء روح الإسلام، فحسبوا هذا الدين السمح مظاهر من بناء مساجد ومدارس ومستشفيات وخوانق ومشاركة في صلوات عامة لا تنهاهم عن فحشاء ولا تردعهم عن منكر. وعلى أية حال فقد كان لهؤلاء المماليك مزايا أخرى، في طليعتها الجهاد المسلح في سبيل تحرير الأراضي الإسلامية من الصليبيين المعتدين وقد ظفروا، والحق يقال. فمن هم أولئك الرجال من مهندسين ومعماريين وبنائين وزخرفيين أصحاب الفضل الأول في بناء القاهرة وتشييد مبانيها الجليلة؟؟
لا شك أن هناك أسماء لا يمكن بأية حال من الأحوال أن نجعلها وهي أسماء القائد جوهر الصقلي باني القاهرة والأزهر والقصر الكبير الشرقي، وهناك سيده المعز لدين الله وابنه العزيز بدين الله الذي يعزى إليه بناء جامع الحاكم بأمر الله وإن لم يكمله، وهناك أيضاً القائد الحازم بدر الدين الجمالي الذي أعاد بناء أهم بوابات القاهرة من الحجارة بدلاً عن اللبن، وكذلك ابنه الأفضل. ولن ننسى أيضاً صلاح الدين الأيوبي وقائده قراقوش الذي شيد أمجد بناء ما زال شامخاً فوق المقطم وهو قلعة الجبل المعروفة بقلعة صلاح الدين. وإلى جانب أولئك الرواد الذين صنعوا القاهرة، توجد طائفة تدين المدينة الكبرى لهم لما شيدوه فيها من المباني الرائعة.
ففي النصف الأول من القرن التاسع شيد أبو بكر البناء (يظن أن ابن الرومية هو الذي بنى فوارة مسجد أحمد بن طولون عام 385هـ (995) بأمر الخليفة العزيز بالله) لأحمد بن طولون عدة مبان، وفي فلسطين شيد حصناً منيعاً في عكا، كما وصل إلينا اسم المهندس إبراهيم ابن غانم بن سعيد الذي بنى القصر الأبلق بالقلعة وضريح السلطان الظاهر بيبرس بدمشق عام 1277 (676هـ) ولا يزال اسمه منقوشاً على باب هذا الضريح ويعرف اليوم بالمدرسة الظاهرية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق