ابداعاتنقد

حبيب .. بين دفئ المشاعر والتفاصيل

بقلم / عمر علي

لم يكن لدي اهتمام كبير بالسينما القصيرة والتسجيلية قبل إلتحاقي بمعهد السينما .. كنت أهتم أكثر بالأفلام التجارية الطويلة والمسلسلات التليفزيونية .. إلى أن إلتحقت بالمعهد ومن لحظتها أصبحت من مرتادي جميع الفعاليات السينمائية في مصر .. فأصبحت أرى من خلالها مجموعة من الأفلام المغايرة تماماً عن ما تعودت عليه ..
وتفتحت مداركي أكثر على عالم الأفلام التسجيلية والقصيرة ، بحكم الدراسة كنت أشاهدها كثيراً وأحياناً أساعد زملائي في المعهد في صنع مشاريعهم .. إلى أن قدمت أنا أفلامي الخاصة ..
ولازال حتى الآن لدى شغف بمشاهدة أي فيلم تسجيلي أو قصير جديد يقع تحت يدي .. ويزداد الشغف أكثر عندما يكون صانع الفيلم هو شخص أعرفه .. وذلك لأن إقترابي منه على المستوي الشخصي يجعل رغبتي تتزايد في أن أرى إبداعه على شاشة السينما .. أريد أن أعرف كيف إستطاع أن يعبر عن أفكاره وكيف تمكن من طرح أسلوبه ..
منذ أيام قليلة شاهدت الفيلم القصير (حبيب) من بطولة سيد رجب وسلوى محمد علي ومن تأليف وإخراج شادي فؤاد .. وبعيداً عن كون شادي صديق وزميلاً في معهد السينما .. فإن أود القول أني استمعت بمشاهدة (حبيب) للغاية .. وكانت رغبتي في مشاهدته نابعة من أني شاهدت فيلم شادي القصير الأول (بين صيف وشتا) الذي قدمه عام 2017 وقامت ببطولته سيمون وشاركها حمزة العيلي وأعجبني جداً أيضاً.
يحكي (حبيب) حول حلاق الشعر العجوز حبيب الذي يعيش في منطقة شعبية وشقته ملاصقة لدكانه ، في يوم يدخل على زوجته ويجدها حزينة لعدم اهتمامه بها فيلقي عليها قصيدة شعر بسيطة من تأليفه ، فتقترح عليه أن يتصورا صورة فرح جديدة بدلاً من صورتهما القديمة ذات اللونين الأبيض والأسود ، فتريه زوجته فستان فرحها الذي لازالت تحتفظ به وتطلب منه أن ينزل لشراء بذلة جديدة من أجل الصورة ، فينزل ويجد الأسعار مرتفعة جداً فيطلب من البائع أن يأتي مندوب معه من المحل بالبذلة ليريها لزوجته فإذا ما أعجبتها سيشتريها وإذا لم تعجبها سيعود المندوب بها . يرجع حبيب بالبذلة ويرتديها ويتصور بها مع زوجته ، إلى أن نكتشف في نهاية الأمر أن زوجته متوفية وكل حديثه معها لم يكن سوى خيالات في ذهنه.
فكرة الفيلم رائعة ومناسبة للغاية لتقدم في فيلم روائي قصير ، وقد أجاد شادي كتابتها بإيقاع مثالي وحوار آخاذ مناسب لروح الشخصيات والبيئة المحيطة بها .. النهاية جيدة جداً وغير متوقعة بالمرة .. وتم تنفيذها على مستوى السيناريو بشكل جيد ومفاجئ .. ويبدو أن شادي يميل إلى تلك المواضيع الإنسانية الدافئة البسيطة في تجاربه .. إذ أن فيلمه الأول (بين صيف وشتا) كان يدور عن أخين تفرقا وهم صغار ولم يكونا يعرفا شيئاً عن بعضهما طوال عمرهما إلا أن جمعتهما الظروف مرة آخرى وهما يقتربا من الأربعين وإكتشفا لحظتها كم الغربة وعدم التآلف الموجود بينهما.
أما على مستوى الإخراج فلم يكن الحال مختلفاً عن السيناريو ، فشادي كمخرج يجيد إختيار ممثليه بشدة وتوجيههم بشكل متميز ، حيث أن إختياره لسيمون وحمزة العيلي في فيلمه الأول وسيد رجب وسلوى محمد علي في فيلمه الثاني يدل على ثقته في نفسه وإختياره وقدرته على توجيه نجوم وممثلون معروفين مثل هؤلاء لأنه جرت العادة أن يلجأ المخرج في الأفلام القصيرة والمستقلة إلى نجوم شباب ووجوه جديدة.
أجاد شادي إختيار زوايا التصوير وبشدة لتبرز فكرته بحيث لم نشاهد مشهد يجتمع فيه حبيب مع زوجته ومعها أحد آخر ، حتى في المشهد الذي كان معهما فيه المصور ، لم يقدم شادي لقطة طويلة واحدة تجمعهم بل كان التقطيع بين لقطتين متوسطتين الأولى يظهر فيها حبيب وزوجته والآخرى تجمع المصور وصديق حبيب.
إنتقادي الوحيد لشادي كمخرج في (حبيب) حول تنفيذ مشهد النهاية إخراجياً .. فأنا أعتقد أنه إذا كان شادي فكر أن ينهي فيلمه بالصور التي التقطها المصور وكأنها له ولزوجته ، بحيث نراها في نهاية الفيلم وهي لحبيب بمفرده وليس لزوجته أي وجود.
ولكن هذا الإنتقاد لا يقلل من قيمة ما قدمه شادي ، لأنه في النهاية قدم فيلماً مميزاً أعتقد أنه سيبقى في ذاكرة كل من شاهده ، وبعد هذان الفيلمان أعتقد أننا أمام مشروع مخرج واعد لديه حس إنساني عالي وقدرة على إلتقاط بعض التفاصيل التي تشغل بال كثيرين ، وما قدمه يجعلني أنتظر بشوق فيلمه الثالث الذي أتمنى أن يكون روائياً طويلاً هذه المرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق