ابداعاتسلايدر

جزيرة الشيطان .. أنا دخلت المعهد يا استاذ

حكاية جديدة بقلم : عمر علي

جزيرة الشيطان .. أنا دخلت المعهد يا استاذ


1 – نوفمبر 2017
خرجت من قاعة السينما بمركز الإبداع الفني عقب مشاهدة فيلماً لبنانياً رائعاً ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ، آثار الفيلم اعجاب كثيرين من الحضور وانتزع ضحكاتنا ودموعنا في آن واحد. عقب الفيلم كان النقاش ساخنا بين الحضور وبين صناع الفيلم وجاءت اغلب التعليقات ايجابية بما فيهم تعليقه هو .. هو الذي افنى عمره في صناعة السينما حتى قدم 108 فيلم روائي طويل على مدار تاريخه ، تعاون فيها مع كبار نجوم ومخرجي السينما المصرية وأصبح كثير من تلك الأفلام علامات مهمة في تاريخنا السينمائي. فرحت عندما وجدته ضمن الحضور ، فرحت أكثر بإستمرار اهتمامه بحضور الفعاليات السينمائية رغم تقدمه في السن وبعده عن المجال. قد لا يعلم أن له فضل علي شخصياً ، فهو أول من أقنع والدتي بأن تتركني أحترف المهنة وألتحق بمعهد السينما.
عقب الندوة كان لابد أن أستوقفه لأذكره بلقاءنا الأول الذي كان قبل ذلك اليوم بحوالي ثلاثة عشر عاماً.
******************
2- فبراير 2002
الأطفال عادةً ما تهوى الخروج .. السهر .. الكورة .. الملاهي .. اللعب .. وهناك نوع غريب من الأطفال تحب المذاكرة أو المدرسة بشكل عام ..
لم أكن في طفولتي أنتمي لأي نوع من الأطفال التي ذكرتها في السطر السابق .. كنت ممن يفضلون السينما .. بس .. كنت ولازلت أذهل من قدرة السينما على البقاء كل هذه المدة ، في البداية كنت أعتقد أن كل الممثلين الذين أراهم أمامي على الشاشة في أفلام الأبيض والأسود لازالوا على قيد الحياة ، لكني كنت أفاجأ حين أعرف أن معظمهم قد فارقها منذ زمن .. وكيف توفى وأفلامه باقية .. إذن عندما أصنع أفلاماً ستبقى بعد وفاتي أنا أيضاً .. ولكنها تبقى المهارة والموهبة والحكمة التي تؤهلك لصناعة ما يبقى وهذا ليس سهلاً ..
الحكاية ببساطة في هذا اللغز المسمى بالكاميرا ، ذلك الجهاز العجيب القادر على تسجيل لحظات ومشاعر يمكن مشاهدتها مرة آخرى حتى لو كان من وقف أمامها لم يعد موجوداً. ذلك الجهاز العجيب الذي عشق الوقوف خلفه فخلد إسمه في تاريخ السينما .. لم يكن التصوير بالنسبة له مجرد مهنة بل شئ يجري في دمه .. ظل يبتكر ويقدم الجديد في أفلامه حتى قدم روائع لم ولن تتكرر (البرئ) (الهروب) (ضد الحكومة) (الحريف) (الحب فوق هضبة الهرم) (سواق الأتوبيس) ولكن دوناً عن كل هذه الأعمال هناك عمل له بالتحديد له مكانة خاصة في قلبه وقلبي أنا أيضاً هو (جزيرة الشيطان) ذلك الفيلم الذي حقق فيه سبقاً هائلا وقت تنفيذه ليصبح اول فيلم عربي يتم تصوير اجزاء منه تحت سطح المياة.
2 ونص – برضه فبراير 2002
اشتريت جريدة الأهرام لأمى وقبل أن أعطيها لها قلبت صفحتها الأولى لأعرف آخر أخبار الفن وأعرف برنامج القنوات المحلية – كان ينشر في الأهرام وقتها – وجدت خبر يتصدر الصفحة الأولى عن فيلم السهرة على القناة الأولى والذي كان (جزيرة الشيطان) . فور قراءتي للخبر قلت لأمي ..
ــ أنا مش هروح المدرسة بكرة ..
ــ ليه ؟؟؟
ــ جزيرة الشيطان جاي على القناة الأولى النهاردة وهسهر اتفرج عليه
ــ إمشي يلا بلاش كلام فاضي .. روح اعمل الواجب عشان تنام بدري وهات الجرنان اللي ف ايدك ده..
تسللت من السرير ليلاً عقب نومها هي وشقيقتي وفتحت القناة الأولى وقضيت سهرتي من الفيلم. أخفضت الصوت للغاية – عشان متصحاش وتبقى ليلة سودا – ، لهذا جلست أمام التلفاز مباشرة مما ساعدني أن أتأمل كادرات الفيلم بعناية .. دهشت من إتقان كل العناصر الموجودة فيه وكان ذلك أول فيلم أرى فيه مشاهد مصورة تحت الماء. من وجهة نظرى هذا أفضل أفلام نادر جلال كمخرج ، كان متألقاً فيه وصنع فيلماً كان غير مسبوقاً وقتها ، قد يميل الفيلم أكثر إلى الناحية التجارية ولكن من قال أن السينما التجارية يجب أن تكون تافهة. وبالمناسبة جزيرة الشيطان هو أول فيلم حرصت أن أعرف من هو مدير تصويره وكنت أود أعرف قصة صناعته وكيفية تصويره تحت الماء. جاءتني الإجابة بعدها بعامين ونصف.
***************
3- سبتمبر أو أكتوبر 2004 (مش فاكر امتى بالظبط الحقيقة)
كنت أعيش في الكويت وقتها وكان مقاماً في ذلك الوقت حدثاً ثقافياً كان وليداً وقتها هو (مهرجان القرين الثقافي) الذي تتنوع فعالياته بين عروض أفلام ومسرحيات وندوات فكرية. إحدى فعاليات هذه الدورة كانت ندوة عن تاريخ التصوير السينمائي يحاضر فيها مدير التصوير سعيد شيمي. ظللت ألح على والدتي أن نذهب لحضور الندوة التي كانت مقامة في نادي السينما الكويتي ، وعندما وصلنا طلبت من مدير النادي وقتها الذي كان زميلاً قديماً لوالدتي أن أدخل وأسلم على أستاذ سعيد ، فإبتسم في دماثة واصطحبني لغرفته. قدمت نفسي له بصفتى عاشق للسينما وذهل عندما وجدني أخبره بأسماء أفلام كثيرة له.
انحنى وربت على كتفي وقال : بس انت صغير قوي على إنك تبقى كل المعلومات دي .. عندك كام سنة ؟؟
فأجبت : 11 ..
نظر إلى والدتي وقال لها : أيه يا مدام .. الولد عارف حاجات كتير مش بتاعة سنه خالص ..
فأجابت : ده ميقومش من قدام التليفزيون وبيسمع الأفلام والمسلسلات بالحوار ..
فقلت : وعايز اعمل افلام حلوة زيك لما أكبر ..
فقالت له : ده مجنني ومصر يدخل معهد السينما لما يكبر ..
فرد وهو يربت على خدي : سيبيه يعمل اللي هو عايزه .. مين عارف .. مش جايز يبقى مخرج كبير في المستقبل ..
أنهى الحديث دخول مدير النادي إلى الغرفة ليخبر الأستاذ بإمتلاء القاعة لبدء الندوة .. دخلت القاعة خلفه وحضرت الندوة التي حكى فيها القصة التي كنت أريد أن أسمعها
الحكاية بدأت أثناء تصويره لفيلم (إعدام ميت) في نويبع مع المخرج على عبد الخالق وقرر آخذ كورس في الغطس وهو هناك. وأثناء بحثه الدائم عن أحدث معدات التصوير سمع عن صندوق زجاج يمكن أن توضع فيه الكاميرا والتصوير به تحت المياه أو على سطحها. وكان يريد أن يستغل ما تعلمه في تنفيذ أحد الأفلام ولكن من أين تكون البداية ، عرض الفكرة على صديقه المخرج الكبير نادر جلال الذي اقترح أن يقوما بتصمير فيلم أمريكي هو (الذهب المبتل) وتم الإستعانة بأحد الكتاب الشباب وقتها هو خالد البنا لكتابة سيناريو (جزيرة الشيطان). المشكلة التي قابلتهم وقتها هي عدم وجود جهة إنتاج تتحمس للفيلم نظراً لتكلفته العالية ورغبة نادر جلال وسعيد شيمي بالسفر للتصوير في الأماكن الحقيقة للأحداث وإستيراد معدات من الخارج لتنفيذ المشاهد والمعارك تحت المياه. تعطل مشروع الفيلم لفترة إلى أن قرر نادر جلال وسعيد شيمي تمويله من مالهم الخاص. لاقى الفيلم وقت عرضه نجاحاً جماهيرياً كبيراً وظل في دور العرض لفترة طويلة. نجاح الفيلم حمس أحد المنتجين وقتها أن يطلب منهم تقديم معالجة مصرية آخرى لنفس الفكرة فقدموا سوياً فيلم (جحيم تحت الماء) الذي لم يلقى نفس نجاح التجربة السابقة.
إنتهت الندوة وسط تصفيق حاد من الحضور وأعقبها عرض فيلم تسجيلي عن حياته وأعماله وكنت أراقبه وأنا أسأل نفسي متى سوف أقابله مجدداً ..
***********************
4- نوفمبر 2017 (تاني)
إنتهت ندوة مهرجان القاهرة وخرج أستاذ سعيد من القاعة فخرجت خلفه واستوقفه وذكرته بيوم الندوة ، إبتسم لي إبتسامته الودودة وهو يتأملني ..
– أنا فاكر طبعاً يوم الندوة ده .. وبيتهيألي فاكر العيل الصغير اللي دخلي قبل الندوة .. هو إنت ؟؟
فهتفت في سعادة ..
– أنا دخلت المعهد يا أستاذ .. زي ما حضرتك قلت لي ساعتها وإتخرجت وبقيت سيناريست دلوقتي
إبتسم في ود وسلم عليّ وهو يشد على يدي ..
– إوعى تبطل تشوف أفلام أو تحضر أي مهرجان .. لأن ده اللي هيبني لك دماغك لو عايز تبقى سيناريست شاطر ..
ربت على كتفى وإنصرف وتركني وأنا أنظر له في إعجاب وحب وحيرة ..
******************

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق