ابداعات

المحجوزة

المحجوزة
بقلم / عمر علي
وجهاً آخر ..
أكثر رقة وبساطة عن ما عهدت ..
لديها ابتسامة وقعت في آسرها منذ اللقاء الأول .. تشي نظراتها بطيبة غريبة .. شعرها الذي تعقده في ضفيرة تنسدل على كتفيها في هدوء .. حين أعبر عن مشاعري ستكون نظرتها مختلفة إلىّ .. هي الآن جالسة أمامي في حيرة تقوم بحل الإمتحان الذي وضعته لها هي وزملائها .. تمسك قلمها الأزرق وتقوم بحل الأسئلة وهي في كامل تركيزها .. لا تعرف أنها لم تفارق ذهني منذ عدة أيام .. صار لي زمناً كبيراً لم أشعر بعاطفة ناحية أي أنثى .. لم يعد قلبي كما كان منذ رأيتها .. سأسأل عنها إحدى زميلاتها .. أود أن أعرف ما إذا كانت مرتبطة بشخص ما أم لا .. أخاف أن تصدني .. لهذا قررت أن سوف أعترف لها في المحاضرة الأخيرة ..
منذ أن تلقيت خطاب تعييني معيداً في الجامعة الخاصة التي كنت أدرس بها .. وانا أشعر أني على أعتاب قصة حب جديدة .. كنت قد أهلت نفسي لذلك جيداً وبقى لي أن أجد ما يناسبني ..
هل سأكون كاذباً عندما أقول .. أنها لفتت إنتباهي منذ اللحظة الأولى .. نظرتها كانت مختلفة .. كل شئ كان مختلف .. لن أكابر أكثر من ذلك .. فأنا بحاجة لفتاة تملئ فراغي العاطفي .. وأعتقد أن تلك الفتاة الجالسة أمامي الآن بردائها الأبيض المرزكش بالورود ، هي من كنت أنتظر ..
لم يعد لدي هذا الخوف الفطري من الإعتراف بمشاعري .. وأنا على يقين كامل أن مشاعري هذه ليست عيباً لأخفيها أو أتبرأ منها .. قد يكون مستواها الإجتماعي أعلى مني بكثير لكني أعتقد أنني أذا أحببت سيزيد حبي لعملي وبالتالي سيزيد دخلي وسيرتفع مستواي الإجتماعي لأصل إليها .. ولكن هل هي ستوافق على الإرتباط بي .. ولكن لما لا توافق .. لماذا أرى في نفسي نواقص إلى هذا الحد ..
لكن قد يكون خوفي مستمد من وظيفة والدها في أحد الجهات الهامة في الدولة .. في لحظة لا إرادية وبمجرد أن سألتها عنه أباحت بكل ما كانت تحمله روحها .. اشتكت لي من معاملته وغلطة قلبه لكنها رغم ذلك تحبه ..
لكن ترى؟؟
هل تحبه لأنه أبيها أم لأنها لا تستطيع العيش بدونه .. تحبه بسبب المستوى الإجتماعي المرفه الذي يعيشها فيه
عندما تشتكي البنت من والدها هكذا في العلن .. فمعنى ذلك أن من المؤكد أن يغيظها وتعاني من عشرته .. إذن لم يعد هناك أي حل سوى الإعتراف .. أريدها معي ولي وأشعر أني سأعوضها عن بعض ما إفتقدت من حنان وستعوضني أنا أيضاً عن حنان حرمت منه ..
عجيبة هي الحياة .. بل عجيبة جداً .. اظل محتاراً متردداً بعد فشلي في كل تجاربي السابقة وحينما أصادف أحداً يكون عكس توقعاتي تماماً .. سأقولها إذن .. تلك الجملة التي لم أقلها لأحد من قبل .. وجاء أوانها بالنسبة لي (أنا معجب بيكي) .. كم هي جملة بسيطة لكن لماذا هي ثقيلة على لساني .. هل أنا ساذج إلى هذه الدرجة ..
كنت جالساً أتأملها في صمت وتتبدل كل تلك الأفكار على ذهني ولم ألحظ ان وقت الإمتحان قد إنتهى .. أفقت من شرودي عليها وقد وقفت أمامي وهي تمد يدها بورقة إمتحانها ..
– اتفضل يا دكتور
– حليتي كويس
– آه الحمد لله ..
– خدي بالك من نفسك ..
إستغربت أكثر وأنا أقولها .. وإستغربت أكثر من نظرتها الحائرة لي ..
* * * *
لن أنكر أنه أعجبني منذ اللحظات الأولى التي رأيته فيها .. فيه شئ مختلف عما عهدت من قبل .. شئ غريب .. ربما رجولته .. ذوقه .. أناقته المبالغ فيها .. طريقته المنمقة في الحديث معي ومع باقي زملائي .. لكني لا أستطيع أن أترك مشاعري تجاهه تأخذ شكل آخر غير علاقة المعيد والطالبة .. أبي يحذرني دائماً من خوض العلاقات .. لهذا ها أنا قد بلغت العشرين وليس لدي علاقة عاطفية واحدة مثل باقي صديقاتي وزميلاتي .. حجزني أبي لإبن عمي منذ مولدي .. لهذا لن أسمح لنفسي أن تتطور مشاعري تجاهه أكثر من ذلك ..
*******************
بالطبع تفكر في .. ليس أمامها حل آخر .. ألمح في عينيها دائماً نظرة إنبهار بي وبكلامي في المحاضرات .. لماذا تركز بصرها تجاهي هكذا اذن .. إذا لم تكن منبهرة بي وبشخصيتي .. طلبت منهم ذات مرة أن يكتبوا تخيل لشخصية سائق التكتك الذي ظهر مع عمرو الليثي وإنهال بالنقد اللاذع على الحكومة وكيفية تعاملها مع الأزمات ..
هي الوحيدة التي شطحت بخيالها وتخيلت مساراً عنيفاً للشخصية بتورط رجال مهمين في إخفاء الرجل .. ووصفت مشهد التعذيب في تحليلها بشكل دموي وعنيف للغاية .. مما اضطرني أن أسألها عقب المحاضرة عن مهنة والدها وإذا بي أفاجأ بإجابتها ..
ورغم أنها تعشقه إلا أن عشقها له لم يمنعها من الإختلاف جملة وتفصيلاً مع أفكاره .. وفوجئت أنها ترجوني ألا أخبر والدها بما كتبت في تحليلها إذا حدث وقابلته في إجتماع أولياء الأمور مع الأساتذة والمعيدين ..
في الإمتحان الأخير وضع لي مادتين في جدول المراقبة وكنت قد قررت أنني سأعترف لها حين أراها .. لم يعد هناك مجال للتردد أكثر من ذلك ..
تأنقت كعادتي وذهبت إلى الكلية لم أستطع إخفاء شعوري بالإشتياق إليها .. كان أول ما فعلته عندما وصلت هو أن بحثت لأعرف مكان لجنتها.. وعندما عرفته ذهبت إلى كنترول الكلية لإستلام ظرف أوراق الإمتحان .. خاب ظني لثوان عندما علمت أنني لن أراقب عليها .. أنهيت الإمتحان وذهبت إليها أطلب منها اللقاء لثوان عقب الإمتحان .. كي لا يصبح شكلي محرجاً أمام الطلبة .. طلبت من أكثر من زميلة لها البقاء لأحدثهم في شئ .. اصطنعت وقتها موضوعاً عن فرصة عمل للجميع في مجالهم وطلبت من الجميع الإنصراف والتفكير فيما قلت عدا هي .. بقيت بمفردها أمامي منتظرة أن أتحدث معها وهنا وجدتني أعترف ..
*****************
كان يبدو عليه التوتر وهو ينطقها ..
– تعرفي إنك عجبتيني من أول ما شفتك .. معرفش إشمعني إنتي .. بس هي جت معايا كده .. حسيت ناحيتك بحاجة غريبة .. يمكن بصاتك ليا كل محاضرة .. كنت بحسها مختلفة عن أي بنت من اللي بيبقوا قاعدين قدامي ..
أعترف أنني كنت أنظر له بخجل شديد وهو يفصح لي عن مشاعره .. قد تكون نظرتي الخجلى له هي ما شجعه على إكمال ما كان يقوله ..
– بصي بقى أنا بقالي سنتين ونص سينجل .. يعني من ساعة ما اتخرجت تقريباً من ساعتها وأنا مقرر أركز في الشغل وبس . إشتغلت ف أماكن كتير وقابلت بنات كتير كانوا زمايلي في الشغل .. بس الحقيقة ولا واحدة فيهم قدرت تخليني أركز معاها زي ما إنتي عملتي .. الموضوع معاكي انتي كان مختلف شوية .. أول ما شفتك حسيت بحاجة غريبة .. قلت لنفسي جرى أيه .. إنت هترجع ف كلامك .. بس بصراحة حسيت إني هبقى غبي شوية لو ضيعتك من إيدي .. أو على الأقل متكلمتش وقلت اللي جوايا ..
كنت أنظر له وأنا لا أصدق ما أسمعه .. سنوات عمري التي اقتربت من الحادية والعشرون عاماً .. لم أسمع فيها كلاماً مثل ذلك قط .. ليس لدي تجارب عاطفية تقريباً كما يحدث للبنات في نفس سني .. بالطبع سبب لي ذلك أزمة في بعض الأوقات .. أليس من حقي أن أشعر بالغيرة .. كل واحدة منهن لديها شاب تروح وتجئ معه وأنا ليس لدي ما أفعل معه ذلك .. أعبر عن مخاوفي لأمي فتخبرني بأن خطوبتي لإبن عمي ستعلن بشكل رسمي عقب تخرجي من الجامعة
– كل اللي أنا محتاجه دلوقتي أقرب منك أكتر .. وأعرفك أكتر ومين عارف ممكن نوصل لإيه ..
لما وجدني صامتة أنظر له في دهشة وخجل .. أكمل حديثه
– أكيد إنت متفاجئة ومخضوضة من اللي سمعتيه .. وعشان كده أنا مش مستني منك رد دلوقتي .. خدي وقتك خالص ووقت ما تحبي تتكلمي .. كلميني ..
رفعت عيني في عينيه لأول مرة وبكل بحاجة نطقت بالرد ..
*****************
يا الـله ..
كم سنة مرت على هذا اليوم .. أعتقد أنه كثير .. عشر سنوات تقريباً .. تخطيت الثلاثين الآن .. أعتبر نفسي محظوظاً ومثابراً لأني حصلت على الدكتوراة قبل بلوغي الثلاثين ..
هل تزوجت ؟؟
بالطبع تزوجت من أحبها قلبي .. آخر إنسانة تمنيت وتوقعت أن أتزوجها .. لا يمكنني القول بأنه كان زواج صالونات .. لأننا نعرف بعضنا منذ الطفولة .. لكن انقطعت الصلات فترة طويلة بين عائلتينا .. وتجمعت مرة آخرى عقب عودة عائلتها من السفر .. لم نأخذ وقتاً طويلاً في الإستقرار على تفاصيل الزواج ..
شعرت تجاهها بأكثر ما يتطلبه الرجل في المرأة .. الأمان .. كلمة غريبة لم أدرك معناها سوى معها هي فقط .. كما أنها من القليلين الذين يستحقون أسماءهم .. فهي فعلاً أميرة .. كانت تجلس بجواري يوماً نشاهد التلفاز وقد بدت عليها آثار الشهر الخامس من الحمل ..
أمسكت بالريموت وحولت القناة على فيلماً رومانسياً .. إرتمت في أحضاني فجأة .. فإحتويتها بذراعي وقالت
– ها هنسميها إيه ؟؟
قبلتها على رأسها وقلت – الإسم اللي إنتي عايزاه يا حبيبتي
**************
يا ليتني كنت مثله ومثل من يشبهونه .. أفعل ما أريد وقتما يحلو لي ..
مرت سنوات طويلة منذ أن رأيته لآخر مرة .. تزوجت بعدها من إبن عمي كما أراد أبي وسافرنا سوياً إلى لندن .. هو ليتابع أعمال والده وأنا لإكمال الدراسات العليا .. لم يدم زواجنا سوى عام ونصف تخللتهم الكثير من المشاكل حتى أصبح الإنفصال حتمياً .. كان يريد مني إتباع الأوامر فقط في كل شئ .. حتى في فراش الزوجية .. كان يريد مني أن أفعل كل شئ حتى يشعر بالمتعة .. أما متعتي أنا فليس لها أدنى أهمية عنده .. إلى ان وجدت نفسي أصرخ بها في وجهه ذات مرة
– طلقني ..
أصبحت مطلقة قبل أن أتم الخامسة والعشرين من عمري .. بعد تلك الأزمة حاول أبي التدخل في حياتي مرة آخرى .. لكني أبيت .. أخذت شقة مع بعض زميلاتي البنات .. قطع عني أبي مصروفي عندما عرف من إبن عمي بخبر طلاقي .. لهذا اضطررت إلى العمل كي أتمكن من تغطية مصروفات دراستي .. لم يكن هذا سهلاً .. الضباط ليس من السهل معارضتهم .. لكنك إذا أردت شيئاً وتحمست له بشدة فسوف تصل إليه في يوم من الأيام حتى لو كان ضد رغبة أي أحد
معيدي القديم الذي إعترف لي بحبه .. لم أحاول أن أسأل عنه أو أعرف ماذا حدث له .. لكنه بالتأكيد سعيد الآن .. نظرة الحب التي كانت في عينيه وهو يعبر عن مشاعره تؤكد أنه شخص رومانسي للغاية .. ومن إرتبطت به من المؤكد أنها فتاة محظوظة بجميع المقاييس ..
أنهيت الدكتوراة وعدت لأجد خطاب التعيين في إنتظاري في إحدى الجامعات الخاصة المرموقة .. أصبحت علاقتي بالطلبة حميمة مع الوقت .. كل ذلك النجاح الذي احققه في حياتي العملية ينقصه شيئاً بالطبع .. ينقصه حب ..
في إحدى الأيام بعد أنهيت محاضرتي .. خرج الطلاب من أمامي وأنا ألملم أغراضي إستعداداً للمغادرة .. دخل علىّ زميل عزيز أحترمه للغاية ..
– دكتورة بعد إذن حضرتك .. عايزك ف موضوع
وضعت أغراضي مرة آخرى ..
– خير
– خير إنشاءالله .. في الحقيقية يا دكتورة .. مش عارف أبتدي كلامي منين .. بس أنا بقالي أسبوع بقلب الموضوع ف دماغي ومش عارف آجي أقولهولك إزاي ..؟؟
– قلقتني ..
– هو إنتي هتستغربي لو قلت لك إنك عجبتيني من أول يوم شفتك فيه ..
نظرت له في دهشة لثوان .. ثم إبتسمت في خجل ..
إبتسامة بالتأكيد سيدرك مغزاها لاحقاً ..
*****************
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق