نقد

إذما … دور بنفسك جوه نفسك

بقلم عمر علي

لست معتاداً أن أكتب عن رواية أعجبتني .. وإنما كنت أركز أكثر في مقالاتي السابقة على الأفلام السينمائية التي تصدر حديثاً في دور العرض هنا وفي العالم ، ولكني إنتهيت لتوي من قراءة رواية أعتقد أنها غيرت بداخلي أشياء كثيرة وجعلتني أتذكر أشياء أكثر كنت نسيتها ، وهذه الرواية هي (إذما) للكاتب محمد صادق.
تعد (إذما) هي سادس روايات صادق بعد خمسة روايات حققت رواجاً كبيراً في سوق النشر منهم روايته الثالثة (هيبتا) التي تجاوز عدد طبعاتها الخمسون طبعة وتم تحويلها لفيلم سينمائي بنفس الإسم عرض عام 2016 بنجاح ساحق بتوقيع المخرج هادي الباجوري. في رأيي ما جعل روايات صادق تنجح هذا النجاح وتضعه في مصاف الروائيين الشباب وأكثرهم مبيعاً ، أنها روايات مختلفة تطرق دائماً مواضيع وأفكار غير معتادة وتناقشها أيضاً بطرق مختلفة ، ويتميز أسلوبه الأدبي بالبساطة المتناهية مما يجعل قرأته يسيرة على القطاع الأكبر من القراء ، وليس معنى البساطة أنه أسلوب ركيك وتافه ، بل البساطة في توصيل الفكرة وتقديم الشخصيات وصياغة الحبكة . لا يهتم صادق بأن ينتقي جملاً بلاغية كي يظهر مهارته اللغوية فحسب ، بل ينتقي بعناية جمله وعباراته بحيث تقوم بتوصيل المعنى المراد ، وهذا ما جعل له جمهوراً من القراء ينتظرون رواياته الواحدة تلو الآخرى وهذا ما جعل (إذما) ينفذ منها ثماني طبعات في أقل من شهر منذ صدورها في معرض الكتاب الماضي.
غاب صادق ثلاث سنوات كاملة منذ روايته الخامسة (أنت .. فليبدأ العبث) التي صدرت في 2016 ليعود برواية مميزة تضاف إلى رصيد رواياته وتساوي توقعات قراءه الذين إنتظروه طوال تلك الفترة.
كالعادة يقدم صادق فكرة مجنونة وغير تقليدية بالمرة ، إذ تحكي (إذما) حول عيسى الذي يبلغ من العمر 36 عاماً ومنفصل حديثاً عن زوجته أسماء بعد فترة زواج قصيرة دمر فيها نفسياً تماماً وكان على حافة الجنون وإكتشف وهو في هذا السن أنه قصر في حق حلمه بأن يكون مخرجاً سينمائياً. في عيد ميلاده السادس والثلاثين تأتيه صديقة طفولته سيرا والتي أصبحت نجمة سينمائية لامعة وتعطيه هدية عبارة عن فيديو له وهو في الثامنة عشرة من عمره يذكر فيه نفسه بفكرة فيلم حلم بتنفيذه في هذا السن وهو فيلم (رحلة ال18) وتقوم فكرة الفيلم بخلط مشاهد له وهو في سن ال18 وإعادة تصوير نفس المشاهد بنفس الشخصيات وفي نفس الأماكن بعد 18 عام آخرى وهو في السادسة والثلاثين ، وتكون رحلة الفيلم عبارة عن 9 فيديوهات موجود فيهم 9 أوامر إذا نفذها عيسى سيجد 9 كنوز ينقذ بها نفسه من الإكتئاب الذي أصابه في الكبر .. رحلة من المفترض أن يجد فيها عيسى نفسه وحلمه الذي ضاع منه وسط زحام الحياة.
بمجرد قرأتي للصفحات الأولى من الرواية إبتسمت من جرأة الفكرة وبساطتها في نفس الوقت لكني خفت قليلاً من أجد فيها ما يشبهني ، لهذا كنت أقرأها على فترات متقطعة حتى أنهيتها في أسبوعان تقريباً . بعد قرأتي لكل فصل كنت أتوقف لأيام حتى أستوعب ما قرأته ، صادق ببساطة إستطاع أن ينفذ إلى داخل روح عيسى ويقدمه بشكل حقيقى ، وجدت أن عيسى يشبه كثيرين أعرفهم ، هؤلاء الذين قصروا في حق حلمهم حتى كاد أن يضيع منهم ، هؤلاء الذي سلكوا طرقاً متعرجة وكانوا يتوقعون الوصول حتى فاقوا فجأة على سراب.

يقدم صادق رؤية مخيفة عن ذكريات المراهقة وعن الأحلام التي تنتابنا بشدة في هذا السن لنتسأل حين نكبر أين نحن منها ؟؟ هل ضاعت منا رغماً عنا ؟؟ أم نحن الذين تركناها تضيع ؟؟ وكيف يجني المجتمع الذي يرى قمة إنجاز الشخص في حياته أن يتزوج وينجب ؟؟ كيف يصبح تدخل الأهل أحياناً في حياة أولادهم بغرض الخوف عليهم هو دمار شامل لهم ؟؟ وكيف في أحيان كثيرة يصبح التمرد وكسر القيود هو الحل ؟؟

كل هذه التساؤلات وأكثر يطرحها صادق في روايته بشجن وشاعرية شديدة مع لمحة كوميدية بسيطة ليجعلك تقف أمام نفسك لأول مرة وتسألها بوضوح أين أنا من أحلامي ؟؟ .. حديث عيسى الكبير مع عيسى الصغير في الفيديوهات ، حديث دار بيني وبين نفسي في لحظة ما أدركت فيها كم كنت مقصراً. أصدقاء وصديقات عيسى يشبهون كثيراً أصدقاء أعرفهم منهم القريب ومنهم البعيد.

مشاهد وشخصيات كتبها صادق بجرأة شديدة لن أحرقها لمن لم يقرأ الرواية بعد ، ولكني توقفت أمامها كثيراً لأتامل ما وراءها. (إذما) أعتقد أنها تصلح أن تقدم في مسلسل تليفزيوني مكثف تصل إلى حلقاته 12 أو 15 حلقة فقط وليس مسلسلاً طويلاً وليس فيلماً ، وسيكون مسلسلاً ممتعاً بشرط أن يكتب له سيناريو جيد.
إذما رواية هامة تضاف إلى سجل محمد صادق يؤكد بها مكانته ..

ورواية تستحق أن تقرأ بعمق ..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق